الكلمات
  الخطاب الأميري الذي ألقاه سمو رئيس مجلس الوزراء في افتتاح الدور الأول من الفصل التشريعي الحادي عشر لمجلس الأمة  
  12 يوليو 2006  
     
 

الحمد لله العلي العظيم، الذي أنعم علينا باليمن والإيمان، و وفر لنا أسباب الخير والفلاح ، نحمده حمداً كثيرا علي نعمه، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه الأكرمين، نشكره سبحانه وتعالى ونسأله سبيل الرشاد.

بسم الله الرحمن الرحيم
" وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى "
صدق الله العظيم

الأخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة الموقر ...

تحية من عند الله طيبة مباركة. 

أما بعد ، فيطيب لي أن أهنئكم وأبارك لكم 

ثقة الشعب الكويتي الغالية بعد أن قال كلمته واضعاً الأمانة لدى نخبة طيبة من أبناء هذا البلد الكريم. كما أتقدم من أبناء ديرتي الكرام، بأصدق آيات التقدير والاعتزاز، للممارسة الديمقراطية الراقية التي تحلوا بها في اختيار ممثليهم لمجلس الأمة، على نحو يعكس وجه الكويت الحضاري ويؤكد مكانتها المشهودة، معرباً باسمي واسم إخواني أعضاء الحكومة، عن أحر التهاني على ثقة الشعب الغالية، التي تجلت بفوزكم نواباً عنهم في البرلمان، متمنياً لكم التوفيق والسداد في المهام والمسئوليات التي تنتظركم.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نستذكر بالامتنان والتقدير، المجالس التشريعية والحكومات السابقة، على جهودها المخلصة في حمل الأمانة ومواجهة تحديات مسيرة البناء الوطني.

كما لا يفوتنا أيضاً بهذه المناسبة التاريخية أن نرفع مشاعل الوفاء والإجلال للآباء والأجداد، ونحن نستقريء كفاحهم المشرف في التغلب علي الشدائد وتخطي الصعاب، بروح جامعة تأصلت على مبادئ الشورى، حتى أثمرت منهجاً ديمقراطيا أصيلاً لدولة عصرية، نحمد الله أن جعلنا أهلها، ونحن على هدي ديننا الحنيف وشريعتنا السمحاء ماضون، ونشكره جـل جلالـُه، بأن جعل الإيمانَ والعدل والإحسان ميزان تفاضلنا ، وأكسبنا قيماً نستلهــم منها الدروس والعبر الصالحة في بلوغ ما نتطلع إليه ونطمح.

واسمحوا لي، ونحن أمام هذا المشهد الوطني العامر بروح الأسرة الواحدة، أن نتوجه برسالة حب وعرفان ووفاء، لصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ / سعد العبد الله السالم الصباح حفظه الله ورعاه، رجل المواقف ورمز الصمود، سائلين المولى عز وجل أن يحيط سموه بكريم عنايته، وأن يمنحه الصحة والعافية والعمر المديد.

الأخ رئيس مجلس الأمة

الأخوة الأعضاء المحترمين 

إننا إذ نلتقي اليوم لافتتاح دور الانعقاد الأول للفصل التشريعي الحادي عشر لمجلس الأمة، معاهدين الله على أن نكون على مستوى المسئولية في حمل الأمانة والحفاظ على مقدراتها، والمضي إلى الأمام في مرحلة جديدة من العمل الوطني، فإن صورة الماضي القريب مازالت ماثلة في نفوسنا بمشاعر المرارة، يوم فجعنا في مصابنا الجلل بغياب حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ / جابر الأحمد الجابر الصباح طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه ، خالد الذكر والأثر وقائد النهضة المشهودة.

وجميعنا يتذكر التجربة المصاحبة لتلك الفاجعة، وما أستقر إليه الحالُ انتصاراً للنهج الديمقراطي ، وتكريساً للشرعية الدستورية ، مما جعلها تجربة فريدة حازت إشادة وتقدير العالم أجمع ، يُحسب فيها للشعب الكويتي الأبي عزيمتـُه فيما أبداه من مشاعر الإخلاص  والوفاء لبلده و رموزه الوطنية، و تجسيدَه التلقائي لوحدة الصف و الهدف، و يحسب كذلك لمجلس الأمة الموقر خطواتِه السديدةُ 

وما اتسمت به من وعي و حكمة و ممارسةٍ مسئولة راقية في إطار نظامنا الدستوري الراسخ، كما يحسب أيضاً للأسرة الحاكمة حسن استبصارها وحرصها على وحدة الصف والكلمة والتمسك بالثوابت الوطنية السامية.وعودة إلي ما حدث في الآونة الأخيرة ، فإن من الإنصاف استذكارها مسجلين اعتزازنا بنعمة الحرية التي صاحبت عملية الانتخاب لأعضاء مجلس الأمة ، وقد اتسمت بمناخ تنافسي شديد ، وجرت بأجواء آمنة نزيهة ، وشمولية غير مسبوقة في المشاركة الشعبية ، لا سيما أنه وللمرة الأولى تُمارس المرأة الكويتية حقها في الانتخاب والترشيح لمجلس الأمة، سائلين المولى عز وجل مباركة هذه الخطوة الريادية نحو استكمال المرأة الكويتية لدورها الحيوي في البناء و التنمية و ترسيخ نظامنا الدستوري وتأصيل تجربتنا الديمقراطية، وتعــزيز مكانة الكويت الحضارية على كل صعيد. 
ولعل أبرز ما شهدته الفترة السابقة، تلك المظاهر التي صاحبت الجدل حول مسألة تعديل الدوائر الانتخابية، حيث أنه وبرغم الجهود التي بذلت لمعالجة هذه المسألة على نحو يحقق الرؤية الوطنية الشاملة، وما عبرنا عنه من مشاعر الارتياح والترحيب إزاء مشاركة جميع فعاليات المجتمع في الحوار حول هذا المشروع الحيوي باعتبارها مؤشراً إيجابياً يعكس حيوية ووعي مجتمعنا الكويتي الأصيل.

وضمن إطار حرص الحكومة وسعيها الجاد نحو طي هذه الصفحة ، فقد بادرت إلى استرداد مشروع القانون بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية الذي سبق وأن تقدمت به إلى مجلسكم الموقر في شهر مايو الماضي ، وأقرت الحكومة الجديدة في أول اجتماع لها يوم أمس مشروع قانون بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية وأحالته إلي مجلسكم الموقر ، وهو المشروع الذي انتهت إليه اللجنة الوزارية المكلفة بدراسة سبل معالجة سلبيات النظام الانتخابي القائم وتطويره، والذي يقضي بتقسيم مناطق الكويت إلى خمــس دوائر انتخابية وذلك ليتخذ المجلس إجراءاته الدستورية المناسبة في هذا الشأن، آملة بأن ينال هذا الأمـر ما يستحقه من الاهتمام ، وأن يتحقق التعاون المأمول بين المجلس والحكومة لإنجازه بما يمثله هذا المشروع من خطوة جادة في طريـق إصلاح النظــام الانتخابي ومعالجة سلبياته ، ودفع المسيرة المباركة للعمل الوطني.
وتنفيذاً لتوجيهات حضرة صاحب السمو الأمير حفظه الله ورعاه، وتلبية لرغبته السامية في تخفيف أعباء الحياة عن شريحة واسعة من المتقاعدين، وحسماً لأمر طال بحثه ومناقشته في مجلس الأمة الموقر، فقد أحالت الحكومة إلى مجلسكم مؤخراً مشروع قانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 30 لسنة 2005 بتعديل بعض أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والذي يستهدف مساعدة المواطنين المتقاعدين ممن قاموا باستبدال جزء من معاشاتهم وتخفيف العبء عنهم. 

الأخ رئيس مجلس الأمة ... الأخوة الأعضاء المحترمين 

لا يفصلنا عن عطلة مجلسكم الموقر سوى مدّة قصيرة ، فإن الحكومة ستستكمل بعون الله ، إعداد برنامج عملها للفترة المقبلة، وهي إذ تبادر إلى الإحاطة والإلمام بمختلف المعطيات الجديدة ذات العلاقة، فإن برنامج عملها ، والذي ستباشر به افتتاح دور الانعقاد القادم لمجلسكم الموقر، سيأتي بإذنـه تعالــى، مستوعباً مجمل قضايا و أولويات هذه المرحلة، شاملاً المقومات التنفيذية اللازمة، التشريعية منها أو المالية وغيرها، بما في ذلك آليات المتابعة الدورية التي تكفل حسن التنفيذ والتقويم ، فيما يحقق الأهداف المنشودة.

الأخوة الأعضاء المحترمين 

نعلم جميعاً أننا نعيش مرحلة لعلها الأكثر تعقيداً وصعوبة في تاريخ الكويت والمنطقة ، فالتطورات العالمية متسارعة الإيقاع، حيث تتشابك وتتصادم المصالح ، وتتداخل الحسابات، وقدرنا أن نكون دائماً في دائرة التوازنات والاعتبارات والتسويات الإقليمية والدولية بأبعادهـا الإستراتيجية ، لا سيما الأمنية والاقتصادية ، ولا يخفى ما تنطوي عليه من تحديات يصعب تجاهلها.

إنه واقعنا، وهو أمر يتطلب منا اليقظة والعمل الجماعي المشترك، وبذل المزيد من التضحيات، في إطار من الرؤية الشاملة والقدرة المتمكنة والقراءة النافذة لمجريات ما يدور حولنا من أحداث وتغيــرات متلاحقــة ، وذلك سبيلنا لتجاوز التحديات التي تواجهنا.

الأخوة المحترمين

لا شك بأننا إزاء معطيات الوضع الراهن، بحاجة إلى وقفة تأمل، يتم فيها تقويم ما تحقق من إنجازات، وقراءة ما ينتظرنا من استحقاقات، في إطار من الواقعية والموضوعية.

ودعونا نتساءل بعد أن حملنا أمانة المسئولية وثقة أهلنا الكرام، وحاضر بلدنا ومستقبله.
ألم يأتي الوقت لتجاوز التجارب السابقة بكل سلبياتها وبما انطوت عليه من هدر للوقت واستنزاف للجهود والطاقات وتعطيل للقدرات والإمكانات ، وبما حملته من بذور الشقاق والتباعد ؟!
ألم يأتي الوقت لأن تنضبط الحرية في حدود المسئولية وما يخدم المصلحة العامة، قبل أن تتحول إلى فوضى وأداة هدم وتخريب ؟!

ليس بإمكاننا الانتقال من مرحلة التغني بالممارسة الديمقراطية كهدف بحد ذاته ، ووضعها فعلاً في إطار سليم كأداة نموذجية ووسيلة فعالة لتحقيق الإنجازات وبلوغ الغايات ؟!

ألم يأتي الوقت للانطلاق نحو أفاق طموحة تنتقل ببلدنا إلى المكانة المرموقة التي تستحق، ونحن نملك بحمد الله كل المقومات والأسباب والظروف المناسبة التي تقودنا إلى النجاح والتقدم وبلوغ المراد من العمل الوطني ؟! 
الأخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة المحترمين، إن الحكومة إذ تفتح اليوم أولى صفحاتها الجديدة في التعامـل مع مجلسكــم الموقـر، فإنها تؤكد رغبتها الصادقة بالتعاون الإيجابي، مرحبة بكل نقد موضوعي بنّاء فيما يعزز الجهود المشتركة باتجاه المزيد من الإنجازات ، فجميعنا يعلم بأن نظامنا الدستوري يقوم على فصل السلطات مع تعاونها ، بما يمنع التداخل والازدواجية في الممارسة، ويحترم الحدود الدستورية لكل سلطة بلا خلط أو غموض، كما أنه لا ضرر في أن يكون هناك اختلاف في الرأي وتباين في الاجتهاد طالما كان رائده المصلحة الوطنية، وما دام الحوار الهادئ الرصين، والاحتكام إلى الدستور واللائحة الداخلية لمجلس الأمة والقوانين المرعية، سبيلاً لتصحيح المسار نحو بلوغ أهدافنا وغاياتنا.

ولنكن على يقين، بأننا لن نؤتي ثماراً إذا لم يكن التعاون بين السلطتين على مستوى المسئولية، وهو أمر يتطلب الالتزام بثوابت العمل البرلماني، بما يحفظ للأدوات الرقابية هيبتها الوظيفية وجوهرها الدستوري، و يؤسس لنقلة نوعية في التعاون على تجاوز العثرات والمعوقات التي اعترت العمل المشترك فيما سبق، و يسدد جهودنا فيما يُثري المسيرة التنموية و يعزز التجربة الديمقراطية و يجعل الكويت هي الرابح الأكبر. 
على ضوء هذه الرؤية، وفي إطار الدستور والقوانين والأعراف المستقرة، فإن السلطتين التشريعية والتنفيذية مدعوتان إلى إيجاد وسائل وأساليب عملية واضحة لبلوغ مرحلة جديدة من التعاون البناء والعمل المشترك المسئول ، تجنباً للازمات واستهلاك الجهود في أمور غير ذات جدوى ، وارتقاءا إلى بلوغ الأعمال والطموحات المعقودة على هاتين السلطتين، وقد آن الأوان لتحقيق هذه الخطوة الوطنية في العمل البرلماني ، استجابة لمقتضيات المصلحة الوطنية ، وانسجاماً مع الرصيد الحضاري للمجتمع الكويتي في الممارسة الديمقراطية.

الأخ رئيس مجلس الأمة الموقر 

الأخوة الأعضاء المحترمين... 

لقد تفضل المولى الكريم علينا بالمزيد من نعمه، ولعل أثمنها روح الأسرة الواحدة التي أفاءت علي مجتمعنا منذ نشأته، جامعة أهل الكويت على المحبة والثقة والتواصل، غامرة نفوسهم بالمودة والتراحم والتآخي ، موحدة بين أبناء هذه الأرض الطيبة ، استلهاماً من عبق الماضي العطر بمواريثه ، واستشرافاً لأقصى آفاق المستقبل المأمول. 
ستبقـى هذه الروح على قدسيتها بإذن الله، قلـب الكويت النابض ومرسـاة أمنها وأمانهــا، ودعائم عزها وسيادتها، وسبـيل رخائهـا وازدهارها.

وستبقــى الكويت بعـون الله ومشيئته، وجودنا الثابت بوحدتنا الوطنية، بطـيب كلامنــا ونزاهة قصدنا ومخزون قيمنا الفاضلة، وتلاحمنا الصادق في السراء والضراء، والعمل المتجدد بالعلم والعزيمة والرؤى السديدة. 
إن حقوق الكويت علينا أمانة كبرى ومسئولية تاريخية نتحمل تبعاتها أمام الله وأمام أجيالنا القادمة وهي أولى الحقوق علينا بالوفاء.

وشهادتنا في الحياة أن نكون على قدر هذه المسئولية العظيمة ، نستمد العون من رب العالمين ، ونستبشر الخير في البسمـــات المرسومــة على شفاه أطفالنا ، والآمال المتوقدة في صدور شبابنا ، والفزعة المتأصلة في جوارح آبائنا وأمهاتنا ، والشيم المغروسة في نفوس أبناء هذه الأرض الطيبة. 

 وأملنا كبير وثقتنا عالية بأن يتحقق بتعاوننا جميعاً ما يعزز مسيرة العمل الوطني في مختلف المجالات ويحقق الغايات والأهداف المنشودة ، وآخر دعوانا أن يمدنا المولى القدير بعونه وتوفيقه ، ويلهمنا السداد والرشاد لما فيه خير الكويت ورفعتها تحت راية حضرة صاحب السمو أمير البلاد وسمو ولي عهــده الأمين حفظهما الله ورعاهما.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،

 
 
  اطبع هذه الصفحة