الكلمات
  الخطاب الأميري الذي ألقاه سمو رئيس مجلس الوزراء في افتتاح الدور الثالث من الفصل التشريعي الحادي عشر لمجلس الأمة  
  30 أكتوبر 2007  
     
 

بسم الله الرحمن الرحيم
" ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا "
صدق الله العظيم

            الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على النبي الكريم ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

الأخ رئيس مجلس الأمة الموقر
الأخوة الأعضاء المحترمين
                        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

            يسعدني اليوم وقد شرفني حضرة صاحب السمو أمير البلاد حفظه الله ورعاه، بإلقاء الخطاب الأميري في افتتاح الدور الثالث من الفصل التشريعي الحادي عشر لمجلس الأمة الموقر، أن أتوجه إليكم وإلى
الشعب الكويتي الغيور الوفي بالتهنئة الخالصة والتمنيات الطيبة، سائلاً المولى عز وجل أن يكلل بالنجاح مسعانا ، وأن يشملنا بهديه وتوفيقه لما فيه خير وازدهار  وطننا.

            كما يسعدني بهذه المناسبة أن أتوجه بكل مشاعر الود والتقدير لسمو ولي العهد حفظه الله، رافعاً أسمى آيات المحبة والوفاء إلى مقام سمو الأمير الوالد الشيخ / سعد العبد الله السالم الصباح، سائلاً المولى أن يحيطه بكريم عنايته وينعم عليه بوافر الصحة والعافية والعمر المديد.

الأخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة الموقر

            لقد ورثنا عن الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل، رسالة إنسانية وحضارية ملهمة في بناء ديرتنا الغالية عبر التاريخ، غرست فينا الإيمان بمبادئ ديننا الحنيف وشريعته السمحاء، وأنارت في نفوسنا شعلـة الحرية والكرامة الوطنية ، ورسخت فينا قيم الشورى والديمقراطية ، وتجلى رصيدهم لنا فيما وهبه الله من ثروات مباركة ، فعلينا أن نحسن الممارسة فيما ورثناه ، وليكن سباقنا في ذلك نحو الانطلاقة المنشودة إلى الأمام .

            إن الوطن أمانة كبرى لا تـبنـى بالأحلام الوردية والتمنيات الطيبة ، ولا تقوم على التسلط في الرأي والاتجـاه ، ولا تزدهر بنفاذ المصالح والمكاسـب الشخصية ، وإنما بتبني منهج يجسد الحس الوطني الواعي بمفاهيم دولة القانون والمؤسسات ، التزاماً بقسم عظيم ، في عدم الوفاء به ، إغفال للقيم والمواريث وإهدار للمكاسب والإنجازات ، وتفريط بالطموحات ، ونسيان لقوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " صدق الله العظيم .

الأخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة الموقر

            إن الحكومة ، وهي تتطلع إلى علاقة مثمرة مع مجلسكم الموقر ، وضمن إطار اهتمامها الأكيد بدفع عجلة التنمية في البلاد ، والإسراع في تنفيذ المشروعات الحيوية التطويرية ، قد أحالت لمجلسكم الموقر برنامج عملها للفترة المتبقية من عمر المجلس ، والتزاما بتنفيذ برنامج عملها، فقد حرصت على أن يكون هذا البرنامج عملياً قابلاً للتنفيذ، شاملاً لأدوات المتابعة والتقويم وقياس الأداء ، إلى جانب تحديد المتطلبات المالية والتشريعية والبشرية وغيرها من المتطلبات الكفيلة بإنجاز مكوناته .
            وتجدد الحكومة تأكيدها بأنها وضعت برنامج عملها هذا ، في إطار إستراتيجية المرحلة المقبلة والتي تقوم على " تجهيز دولة الكويت بكافة مؤسساتها الدستورية والمدنية وقطاعاتها العامة والخاصة للانطلاق نحو رؤية إستراتيجية وطنية طويلة المدى للنهوض بالوطن إلى مراتب تنافسية على المستوى العالمي " متبنية الأهداف والسياسات العامة التالية :

1 ـ             بناء علاقة قائمة على الثقة المتبادلة بين الحكومة والبرلمان .
2 ـ             معالجة أوجه القصور في الاقتصاد الوطني .
3 ـ             تطوير البنى التحتية والفوقية لمواكبة أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا .
4 ـ             وضع رؤية إستراتيجية وطنية للبلاد طويلة المدى .

هذا ، وقد اشتمل برنامج عمل الحكومة على عدّة فصول ، لكل منها مجالاتها ، ولكل مجال أولوياته التي تم عرضها وفقاً للإجراءات التنفيذية ذات الصلة ومتطلبات التنفيذ ومؤشرات المتابعة ، وهي :

الفصل الأول:                  قضايا الشئون الخارجية والأمن.
الفصل الثاني:                 قضايا إدارة التنمية وبناء مجتمع المعلومات والمعرفة.
الفصل الثالث:                 قضايا التنمية البشرية.
الفصل الرابع:                قضايا تطوير وتنويع الهيكل الاقتصادي.
الفصل الخامس:              قضايا الإصلاح المالي وتطوير دور القطاع الخاص.

            وإذا كانت مسيرة التطبيق خلال السنوات الماضية قد كشفت عن بعض السلبيات فإن الحكومة بدأت بالإعداد لمواجهة هذه السلبيات بأساليب ونماذج إدارية وفنية أكثر حداثة وتطور ، مستعينة بتجارب الدول الأخرى في إيجاد الحلول العملية المناسبة للقضايا والمشكلات الماثلة ، ونأمل في تعاونكم ودعمكم للوصول إلى تحقيق أفضل النتائج بإذن الله .

            وسعياً من الحكومة إلى اتخاذ خطوات فاعلة نحو تحقيق الأهداف المنشودة ، فقد أحالت إلى مجلسكم الموقر مؤخراً كتاباً يتضمن أولويات العمل الحكومي خلال المرحلة القادمة فيما يتصل بمشروعات القوانين التي سبق أحالتها من الحكومة إلى مجلسكم الموقر ، التزمت فيه الحكومة بتوجيهات حضرة صاحب السمو الأمير حفظه الله ورعاه ، كما راعت الأهمية الموضوعية والاعتبارات الإجرائية التي تحيط بهذه الأولويات ، 
وتأمل الحكومة أن يتم إنجاز هذه الأولويات بالتنسيق الجاد والمثمر مع مجلسكم الموقر .

            وعلى ذات الصعيد ، وتنفيذاً لأمر وتوجيهات حضرة صاحب السمو الأمير حفظه الله ورعاه بالاهتمام بحسن استخدام الفوائض المالية المتاحة ، واستثمار الموارد المالية في أفضل الخيارات المدروسة على نحو يكفل تعظيم الفائدة وتعميمها على جميع المواطنين في الحاضر والمستقبل ، فإن الحكومة تعكف على دراسة وتجهيز وإعداد ما يلزم نحو التوسع في إقامة العديد من المشروعات التنموية العملاقة التي من شأنها دفع عملية التنمية المستدامة والتي ستغطي جميع المحافظات في الدولة وتشمل ما يلي :

1 ـ             إنشاء الجامعات والمعاهد والكليات والمدارس المتخصصة لاستقبال أبنائنا الطلاب والطالبات وتأهيلهم في مختلف التخصصات العلمية والتكنولوجية .
2 ـ             إقامة المستشفيات والمراكز الصحية المتطورة المتخصصة في كافة المجالات لتوفير الخدمات الطبية المتقدمة للمواطنين .
3 ـ             التركيز على سرعة إنجاز المشاريع الخدمية ومشاريع البنى التحتية وتطوير المطارات والموانئ والمناطق الصناعية والمدن الجديدة بكامل خدماتها .
4 ـ          ترجمة المبادرة الأميرية السامية بإيجاد وسائل حديثة تهدف إلى توفير مناطق سكنية مكتملة البنى التحتية والخدمات ، التي تتولى الدولة إعدادها ، وذلك لتلبية الطلبات الإسكانية المتراكمة ومواجهة ما تشهده القسائم السكنية من مبالغة في الأسعار سعياً لتأمين مقومات العيش الكريم للمواطنين وأسرهم .

الأخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة

            قدرنا أننا في منطقة تموج بالأحداث الجسيمة المتلاحقة ، وبتيارات سياسية متباينة ، تفرض ذاتها على واقعنا ، إلى جانب التطورات الدولية وانعكاساتها ، بما تحمله من مخاطر لسنا بمعزل عنها ، هذا كله في إطار منظومة دولية معقدة ، متشابكة المصالح ، تعاظمت تأثيراتها بفضل التطور الإعلامي والتقني الذي زاد من شرايين الاتصال وقنوات التداخل بين شعوب العالم ، بما يضخم الأحداث ، ويلهب المشاعر والعواطف سواء بمجرد الرصد أم بتوجيه مقصود وتخطيط مدروس ، وفي النهاية تقترب المعطيات كثيراً من المساس بأمن بلادنا واستقرارها ، الأمر الذي يتطلب منا جميعاً التحلي بروح المسئولية الوطنية والالتزام بثوابتها ، والعمل بكل جد لصيانة وحدتنا الوطنية والتعامل مع تلك الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بنا بأعلى درجات الوعي حتى لا نجر إلى دروب وعرة ومسالك غير آمنة ، كفانا الله شرها .

 

الأخ رئيس مجلس الأمة الموقر

الإخوة الأعضاء المحترمين

            إذا كان العمل الجاد ضرورة حتمية لضمان تنفيذ برنامج عمل الحكومة كاملاً وفق الإطار الزمني المرسوم ، فإن التعاون الايجابي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية هو المحرك الفعلي في تجسيد هذه الضرورة الوطنية .

            إن تحقيق الأهداف والغايات الوطنية الكبرى لا يمكن أن يأتي بتوافر النيات الحسنة وحدها ، وإنما يتطلب إرادة جادة وعزماً أكيداً وسعياً دؤوباً وتضافر الجهود المخلصة لتفعيل هذه الطموحات والتطلعات ، والتي بدونها لا يمكن إدراك هذه المقاصد ، لذا فإن الأمل معقود على تجسيد حقيقي لتعاون فعال بين المجلس والحكومة يستوعب جسامة المسئولية ويشعر بآلام وهواجس أهل الكويت وآمالهم ، ويدرك قيمة الوقت في نهضة الأمم .

            لقد بات موضوع التعاون بين السلطتين أمراً يشغل أبناء الكويت جميعاً حتى صار محور كلمات سمو الأمير حفظه الله ورعاه في العديد من خطبه وآخرها كلمة سموه في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك ، حيث أكد سموه حفظه الله ورعاه أنه على (( ثقة تامة بأن التعاون بين السلطتين ممكن وميسور إذا ابتعدنا بأنفسنا عن الطروحات المسيئة والتشكيك في النوايا والقدرات وتصيد أخطاء بعضنا البعض )).

 

            وكرر سموه حفظه الله ورعاه دعوته إلى (( أهمية تعزيز التعاون بين السلطتين وتحول هذا التعاون بينهما إلى ممارسة تنهض بالعمل البرلماني والعملية السياسية والديمقراطية في بلدنا.. وتوجيه جهودنا وطاقاتنا نحو البناء والتنمية بدلاً من استنزاف الوقت والجهود في مساجلات وحوارات لا طائل من ورائها )).

 

             ورأى سموه حفظه الله ورعاه أن السلطتين " أخذتا وقتاً كافياً في الحوار والنقاش وحتى الاختلاف حول الكثير من القوانين والتشريعات التي كنا نأمل إقرارها لنضع الكويت على خارطة النمو والتنمية المستدامة التي يعيش عصرها غيرنا ".

 

            إن الدعوة إلى هذا التعاون لا تعني بأي حال من الأحوال تنازل أي سلطة عن اختصاصها ، كما أنها لا تعني مصادرة الحق الدستوري لأعضاء مجلس الأمة في استخدام أدوات الرقابة والمساءلة ، وإنما هي دعوة إلى التخلي عن المبالغة في استخدام هذه الأدوات والتهديد بها ، والالتزام بعدم تجاوز الحدود الدستورية باستخدام هذا الحق ، بما يضمن الالتزام بالدستور وباللائحة الداخلية لمجلس الأمة ، فالتعاون المطلوب بين السلطتين هو بذاته مقصد دستوري إيجابي محمود ليس فيه انتقاص من هيبة المجلس ، ولا يعني زيادة في هيمنة الحكومة .

 

الأخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة الموقر

            إننا فعلاً بحاجة إلى أن نجعل هذا التعاون صيغة وطنية فوق السياسة والتسييس ، تعمل في ظل الدستور والقانون والأعراف البرلمانية الراسخة ، وأن نجعله منهجاً عملياً في تكريس حوار إيجابي بناء وسبيلاً ديمقراطياً متقدماً لبلوغ طموحات المواطنين وتحقيق الإنجازات المنشودة.

     إن منطلقات العمل الحكومي للمرحلة المقبلة تقوم على إيمان راسخ بأن التباين في الآراء والاجتهادات وما قد يصاحب ذلك أحياناً من بعض مظاهر التوتر ، هو أمر طبيعي مقبول في ظل العمل البرلماني، ولا يدعو للقلق طالما يجري في إطار ما حدّده الدستور ونظمته اللوائح والقوانين ، وأكدته الأحكام القضائية، والأعراف والتقاليد البرلمانية والحرص على تغليب المصلحة العامة.

     ولما كانت المبادئ الدستورية تقتضي التعامل مع كافة الأدوات الدستورية الرقابية ، وأهمها الاستجوابات من خلال التعاون والتنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وفق قواعد وإجراءات معينة على نحو يساهم في تحقيق التعاون الإيجابي بينهما فيما يخدم مصلحة الوطن والمواطنين ، لذا فإنه ودون الإخلال بحقوق أعضاء مجلس الأمة في ممارسة صلاحياتهم الدستورية فإن الحكومة تؤكد على ضرورة الالتزام الكامل بالحدود الدستورية لاختصاص كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية والتعاون بينهما في ضوء فهم مشترك لطبيعة المسائل المطلوب معالجتها تشريعياً بما لا يؤدي للإسراف في استخدام أدوات التشريع فيما يعد تدخلاً في إطار دائرة العمل التنفيذي للأجهزة الحكومية .

الأخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة

            إن الديمقراطية خيارنا ونهجنا ، ولعلها الثروة الأثمن التي نفخر بها لبناء مستقبلنا ، فهي الموروث الحضاري عن الآباء والأجداد ، الذي نحرص على المحافظة عليه ، بما يمنح الكويت مزيداً من احترام وتقدير وثقة العالم .
            إننا جميعا نتطلع بكل صدق وأمل إلى مرحلة من العمل البرلماني الإيجابي والمثمر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يشعر من خلاله القاصي والداني بأن تغييراً واعداً وتعاوناً صادقاً وسعياً حثيثاً لتوحيد الجهود في كافة قضايا العمل الوطني قد بدت معالمه ، لنعبر سوياً إلى مرحلة جديدة من مراحل التعاون بين السلطتين ، تنفض الغبار عن التجارب السابقة ، وتدرك خطورة تداعيات التجارب السلبية الماضية على مستقبل أبنائنا.

             إن الوقت قد داهمنا ، والتاريخ لن يرحمنا ، حيث لا عذر لنا إن لم نفلح في وضع دولتنا بالمنزلة السامية التي تستحقها والتي بذل السابقون أرواحهم في المحافظة على رايتها عالية خفاقة ، ولنخلص النوايا ، ونتماسك في كيان واحد ، لنحقق بإذن الله ما نصبو إليه جميعاً من نمو وازدهار .

الأخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة الموقر

            نعلم جميعاً أننا نعيش في عالم سقطت فيه الحواجز ، وأن تحديات التطوير والتحديث والتقدم كثيرة، وأن المسؤوليات سواء الداخلية أو الخارجية أيضاً كبيرة ، ولطالما تمكنت الكويت من تأكيد ذاتها بلداً قادراً على المواجهة في كل تحد مصيري ، وهي على ثوابتها دائماً بوحدتها الوطنية الراسخة ومنابر الحرية والعدالة والديمقراطية التي لن تنطفئ مشاعلها أبداً على هذه الأرض الطيبة بإذن الله.

            وإذا كان قدرنا أن نعيش في منطقة يسـودها التوتر والنزاع والتقاتل ، فإن تكريس هذه الثوابت ولاءً وانتماءً وفكراً وممارسة يبقى مصدر قوتنا وعزمنا وسياج أمننا واستقرارنا ، وليس أمامنا إلا أن نكون على مستوى المسئولية في العمل المشترك والتعاون المنشود ، بما يحقق الخير الوفير لبلدنا ، إذ أنه من الخطأ الكبير أن لا نحسن مراجعة الذات والاستفادة من التجارب السابقة والتعلم من دروس الماضي ، فمن سوء التقدير أن لا نضع الأمور في نصابها.

            وختاماً ، أسأل المولى العلي القدير أن يجعل نوايانا طيبة صادقة ، وأن يرشدنا إلى أن نخلص في أعمالنا ، وأن يؤيد بعونه وقدرته مساعينا ومقاصدنا لكل ما فيه رفعة شأن بلدنا وتعزيز أمنه واستقراره ، وتقدمه وازدهاره تحت راية حضرة صاحب السمو الأمير وسمو ولي عهده الأمين حفظهم الله ورعاهم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،
 
  اطبع هذه الصفحة