الكلمات
  الخطاب الأميري الذي ألقاه سمو رئيس مجلس الوزراء في افتتاح دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثاني عشر لمجلس الأمة  
  1 يونيو 2008  
     
 

بسم الله الرحمن الرحيم
            " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون " .
صدق الله العظيم

الحمد لله العلي القدير على ما أفاض به علينا من نعم لا تـُحصى ، وجعل لنا طريق الهداية والأسباب ، والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آله والأصحاب ، ومن اتبع هداهم إلى يوم الحساب .

الأخ الرئيس .. الأخوة الأعضاء المحترمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

بعـون من الله وتوفيقه ، وعلى هـدي كتابه الكريم ، وبعزيمة وطـنية خالصة ، نبدأ عهداً جديدا واعدا بإذن الله مع افتتاح دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثاني عشر لمجلس الأمة ، وغايتنا دائماً وأبدا رفعة الكويت وتقدمها وإعلاء مكانتها وخير أبنائها.
ويطيب لي في هذه المناسبة الكريمة أن أتوجه إليكم بأصدق التهاني لفوزكم بالانتخابات النيابية ، وعلى ثقة المواطنين بكم ، وإنه لمن دواعي السرور والاعتزاز أن أتقدم من الشعب الكويتي الوفي الغيور ، بالتهنئة الخالصة والتمنيات الصادقة على اختيار ممثليه في مجلس الأمة ، وممارسة هذه المسئولية الوطنية في أجواء ديمقراطية تميزت بالشفافية الكاملة ، والحرية والنزاهة والحياد المطلق واحترام القوانين ، والتي كانت محل إعجاب وتقديرٍ الجميع .

الأخ الرئيس.. الأخوة الأعضاء المحترمين

بالرغم من اعتزازنا بهذه النقلة النوعية في مسيرتنا الوطنية ، فإن الحزن والأسى والألم يعتصر قلوبنا بفقدان سمو الأمير الوالد الحاكم الرابع عشر لدولة الكويت الشيخ / سعد العبد الله السالم الصباح ، طيب الله ثراه ، الرجل الذي وهب عمره فداء لأهله ، فملك قلوبهم بغيرته الوطنية ، الأصيلة من نفسه الكريمة ، وعزيمته الصلبة ، النابعة من ميراث الآباء والأجداد ، في إعلاء شأن ديرته الغالية .
إنه الوالد الإنسان الوفي لأهله ، والقائد الصلب في الانتصار لقضايا   وطنه ، وهو رائد فلسفة التسامح والارتقاء الحضاري ، والقدوة الحسنة في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات نهجا وممارسة ، وراعي الدعوات المخلصة إلى السلام والاستقرار في المنطقة والعالم ، وهو صاحب الدور البطولي في تحرير البلاد من الاحتلال العراقي البغيض ، ورجل المواقف الصعبة ، والإنجازات المشهودة ، في إعادة البناء خلال مرحلة بالغة الدقة والحساسية ، في تاريخ الكويت الوطني .
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد فقيد الكويت سمو الأمير الوالد بواسع رحمته ورضوانه ، وأن يجعل مثواه الفردوس الأعلى مع الأبرار الصالحين ، وأن يلهم أهل الكويت جميعا الصبر والسلوان ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

الأخ الرئيس.. الأخوة الأعضاء المحترمين

أجد من الإنصاف أن أشيد بمختلف الجهود والاستعدادات والترتيبات ، التي قامت بها الجهات المعنية لتنظيم وإجراء الانتخابات النيابية ، التي جرت لأول مرّة وفقا لنظام الدوائر الخمس ، بديلا لنظام الدوائر الخمس والعشرين ، بعد أن استمر العـمل به قرابة ربـع قرن من الزمان ، حيث تم العمل بمشروع المرسوم بقانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات مجلس الأمة ، لمواجهة التغيير الجوهري في توزيع الدوائر الانتخابية وما ترتب عليه من وجوب تعديل إجراءات العملية الانتخابية ، بهدف التسهيل على الناخبين ، لأداء واجبهم الانتخابي ، وتمكين القائمين على أداء العملية الانتخابية ، من إنجاز مسئولياتهم على أكمل وجه .
ورغبـة في الابتعاد عن شبهات التدخــل في سير الانتخابات ، وحرصا على الحيادية وضمان التنافس الشريف بين المرشحين ، فقد التزمت الحكومة بوقف التعيين وشغل الوظائف الإشرافية ، وكذلك النقل والندب بالوزارات والإدارات والهيئات وسائر الأجهزة الحكومية طوال فترة الانتخابات .
وحرصا على تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين في مواجهة تزايد أسعار المواد الاستهلاكية ، فقد بادرت الحكومة بصرف بدل غلاء المعيشة للعاملين في القطاع الحكومي من الكويتيين والمقيمين ، وكذلك العاملين في القطاع الخاص من الكويتيين وأصحاب المعاشات التقاعدية ، ومستحقي المساعدات العامة ، وذوي الاحتياجات الخاصة ، إضافة إلى حزمة من الإجراءات التي قامت الجهات المعنية باتخاذها ، في اتجاه دعم العديد من المواد الاستهلاكية إلى جانب التدابير الخاصة بضبط الأسعار ، وذلك بما يساهم في توفير مقومات العيش الكريم للمواطنين .
كما تجدر الإشارة إلى جهود الحكومة في إنجاز مؤتمر المنتدى الاقتصادي الإسلامي الدولي الرابع الذي عقد في البلاد مؤخرا تحت عنوان ( الدول الإسلامية شركاء في التنمية الدولية ) ، والإعلان عن مبادرة الكويت في إنشاء ( صندوق الحياة الكريمة في الدول الإسلامية ) ، والتي جسدت الدور الريادي لدولة الكويت في دعم وتعزيز التضامن الإسلامي ، انطلاقا من شعور أهلها بالواجب الإنساني ، نحو مساعدة الأشقاء في العالم العربي والإسلامي .

الأخ الرئيس .. الأخوة الأعضاء المحترمين

لقد شاء القدر أن نكون في منطقة أصبحت الأكثر توترا في العالم ، فالأوضاع الأمنية في هذه المنطقة تزداد تدهورا وتعقيدا ، ولعل خطورة الأمر فيما نشهد على امتداد هذه المنطقة ، من تداعيات وآثار تجعلنا أمام تحديات ، لا نملك أمامها إلا أن نتقي الله في بلدنا ، ونحسن التصرف لحماية أمنه واستقراره ، فحقوق الكويت علينا أمانة كبرى ، ومسئولية تاريخية نـتـحملها جميعا أمام الله وأمام أهلنا وأجيالنا القادمة. 
لا شك أيها الأخوة .. أن السلبيات التي شابت العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الفصل التشريعي السابق ، قد حالت دون تحقيق الإنجاز المطلوب ، وأدت إلى تعثر مسيرة العمل الوطني ، وهو ما كان محل استياء شعبي شامل .

الأخ الرئيس .. الإخوة الأعضاء المحترمين

لا يمكن أن نتجاهل ما لوحظ مؤخرا من بروز بعض الممارسات التي أثارت العديد من التساؤلات ، وفرضت جملة من المحاذير التي تحتاج إلى التوقف عندها ، والتصدي لها بكل حزم ، ولعل أبرزها تلك الممارسات التي تعزز مظاهر العصبيات التي لم يعرفها المجتمع الكويتي ، لا في تراثه ولا في قيمه وأعرافه الراسخة ، وهي مظاهر تضعف الوحدة الوطنية ، ولا تتفق مع الديمقراطية ولا تخـدم المصلحة العامة ومن الممارسات الغريبة أيضا تجاوز القانون والتطاول على هيبة المؤسسات العامة ، وجميعنا يعلم بأن في ذلك اعتداء على مكانة الدولة ، وسيادتها ، ومجالا لتدخل الآخرين في شئونها ، وهذا لا يمكن قبوله أو التهاون بشأنه ، بأي حال من الأحوال .
لقد أكدت الممارسة ، بأن تداخل السلطات وتخطي الحدود الفاصلة بينها ، بما قد ينتج عن ذلك من تجاوز أو خلط ، إنما يمس بمكانة الدستور ، ويبعثر الإمكانات والجهود ولا يخدم المصلحة الوطنية .
ولعلنا جميعا نعلم بأن التمسك بمبدأ الفصل بين السلطات مع تعاونها تفعيلا لنص المادة (50) من الدستور ، ركن دستوري لا غنى عنه في ضمان قوة الدولة ، حيث أن التعاون لا يعني بأي حال من الأحوال ، تنازل أي سلطة عن اختصاصاتها ، أو تجاوز لها على حساب أخرى ، كما لا يعني أبدا مصادرة الحقوق البرلمانية لأعضاء مجلس الأمة ، باعتبار أن التعاون المطلوب هدف إيجابي ليس فيه إخلال بحقوق أعضاء المجلس ، ولا يزيد من هيمنة الحكومة ، فهي علاقة تقوم على دعوة إلى ضمان حسن استخدام أدوات الرقابة والمساءلة في محلها ، وفقا للضوابط والشروط التي حددها القانون ، والتزاما بأحكام الدستور واللائحة الداخلية لمجلس الأمة ، وهو تعاون بناء يساهم في تفعيل الممارسة الديمقراطية وتحقيق أهدافها السامية .

الأخ الرئيس.. الأخوة الأعضاء المحترمين

لقد ضاقت ساحتنا المحلية بالكثير من الخطب والشعارات المفتوحة ، التي لم يحصد الوطن من ثمارها شيئا ، وكلما ابتعدت تجاربنا عن ثوابتنا الوطنية ، تفقد صمام أمنها ، حيث أن الأمم تبنيها التجارب التي تصقلها المحطات الإيجابية والبارزة عبر مسيرتها .
لقد حان الوقت كي نلتفت حولنا وعلى امتداد منطقتنا ، لنتعرف بعين فاحصة على ما وصلت إليه الأوضاع فيها ، وما حصدت شعوبها من فتن ودمار وخراب نتيجة حسابات ضيقة فانية .
إن حصيلة الفترة السابقة ، أيها الأخوة لا تصل إلى مستوى الآمال والطموحات المنشودة ، ونحن نتطلع إلى عهد برلماني جديد ، يصاحبه الأمل والتفاؤل في تجاوز كافة العثرات والعقبات السابقة ، فإننا مطالبون جميعا أن نجعل هذا الفصل التشريعي  نموذجا متميزا نحقق خلاله التطلعات والإنجازات المنشودة التي تخدم الوطن والمواطنين .

الأخ الرئيس .. الأخوة الأعضاء المحترمين

إن الحكومة وهي تعكف على إعداد الرؤية الإستراتيجية العامة للدولة ، بالتعاون مع جهات الاختصاص ، تمهيدا لاستكمال الخطة التنموية وإحالتها إلى مجلسكم الموقر في دور الانعقاد القادم بإذن الله وذلك لإصدار القانون اللازم بشأنها، كما ستتقدم الحكومة ببرنامج عملها للمجلس الموقر قبل بداية دور الانعقاد القادم تطبيقا لحكم المادة (98) من الدستور ، مؤكدة حرصها على أن يشمل هذا البرنامج جميع الوسائل والأدوات اللازمة لتجسيده ، وأن يتميز بالواقعية وقابلية التنفيذ وفق برنامج زمني مدروس بما يكفل تلبية الحاجات الفعـلية لطموحاتنا التنموية والاستغلال الأفضل للوقت والجهـد والإمكانات .
إن برنامج عمل الحكومة سيكون معنيا بتنفيذ مضامين الخطة التنموية ، متناولا لكافة القضايا الجوهرية في البلاد ،  وفي مقدمتها بناء الإنسان الكويتي  وهو ركن الأساس في العملية التنموية المتكاملة ، وحشد الجهود والطاقات سبيلا للارتقاء بكافة الخدمات وعلى رأسها الخدمات التعليمية والصحية والإسكانية ، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي ، والتي سيكون لمؤسسات المجتمع المدني دور فاعل في تنفيذها  .
كما يتناول برنامج عمل الحكومة وسائل تنفيذ عملية الإصلاح الاقتصادي للمرحلة القادمة ، بما يكفل لبلدنا تعزيز مكانته كمركز مالي وتجاري متطور في المنطقة والعالم ، والعمل على تنويع مصادر الدخل وزيادتها وتفعيل عملية التنمية الشاملة .
ولا شك أن الكثير من الدعوات والاقتراحات التي طرحها بعض الأخوة الأعضاء  والتي يغلب عليها الطابع الاستهلاكي ، قد تعود إلى ما عرف بالفوائض المالية الناتجة عن تقلبات وارتفاع أسعار النفط ، وهنا يجب إخضاع هذه المسألة لدراسة شمولية جادة تتناول كافة جوانبها وأبعادها الاقتصادية وآثارها على الأحوال المعيشية للمواطنين ، بما يكفل الاستثمار الأفضل للفوائض المالية الحقيقية ودفعها نحو مسارات البناء والتنمية المستدامة التي تخدم مصلحة المواطنين ، وتكفل لهم سبل العيش الكريم في الحاضر والمستقبل ، كما يؤكد برنامج عمل الحكومة على دعم وتطوير دور القطاع الخاص وتعزيز إمكاناته للمساهمة بفاعلية أكبر في دفع عجلة التنمية بمختلف المجالات .
وبشأن الاستثمار وتحسين البيئة الاستثمارية في المجالات التنموية ، سيشمل برنامج عمل الحكومة سبل تطوير وتحديث البنية القانونية بما يضمن استيعاب متطلبات التطور والتغيير ، مع التركيز على التوسع في إقامة وتحديث البنى التحتية في مختلف القطاعات وعلى جميع المستويات ، بما يحقق الطموحات التنموية المستهدفة .
ولنا كبير الأمل ، أن يعكس التعاون الإيجابي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ، روح المسئولية وحجم الأمانة العظيمة التي نحملها جميعا في النهوض ببلدنا والارتقاء به إلى المكانة المستحقة .

الأخ الرئيس.. الأخوة الأعضاء المحترمين

أمام تحديات هذه المرحلة ، فإننا مطالبون بأن نكون على مستوى المسئولية في مواجهة نتائجها وآثارها ، وعلينا أن ندرك جميعا أن الكويت ليست لفئة دون أخرى ، أو لطائفة دون طائفة ، أو لقبيلة دون غيرها ، وأن الكويت لأهلها المتمسكين بهويتهم والمحافظين على وحدتهم الوطنية ولاء لأرضها الطيبة ، وهي أم عطوف على كل أبنائها ، وهم جميعا بإذن الله أبناء مخلصون أوفياء .
وأمام واجـبنا الوطني في تسليم الأمانة الغالية إلى أجيالنا القادمة ، فإنه لا عذر لأحد في المساس بها ، وإن الكويت في عيون أهلها ، هي المهد والمستقر ، وهي الملاذ لحياتنا الكريمة ، وهي الماضي والحاضر والمستقبل ، وعلينا أن نتعظ قبل فوات الأوان ، ولنحافظ على مكانتها ، ولنحرص على بقائها دولة القانون والمؤسسات ودار الأمن والأمان إلى ما شاء الله

 

الأخ الرئيس .. الأخوة الأعضاء المحترمين

إننا نعيش في بلد وهبه الله الكثير من خيراته ونعمه ، ويملك جميع الإمكانات والأدوات التي تمكنه أن يكون في ريادة الدول المتقدمة ، ولا مجال لإهدار المزيد من الوقت والجهد والإمكانات .
وإننا على ثقة كبيرة بأنكم حريصون وقادرون على الالتقاء بإذن الله وعونه على كلمة سواء تتمثل فيها النية الصادقة والإرادة الخالصة والعزم الأكيد لتفعيل إرادة التغيير الإيجابي سبيلا لتحقيق النقلة النوعية المنشودة في كافة ميادين الحياة ومجالاتها ، بما يحقق آمال وطموحات أهل الكويت ، وإعلاء شأنها ويستهدف تكريس سلامة النهج الديمقراطــي الموروث فكـرا وممارسة ، وتعزيز مكانة الإنسان الكويتي على أرضه ليبقى القيمة الأعلى والثروة الحقيقية ، فالأوطان لا تقوم بالأحلام والتمنيات والنوايا الطيبة ، ولا تزدهر بغير التخطيط السديد والعمل الجاد ، ونحن جميعا شركاء في القرار والمسئولية متعاونين متضامنين ، نجسد الفزعة الجامعة بيننا على المحبة والتراحــم وصــدق التواصل ، مهتدين بقوله تعالى " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " صدق الله العظيم ، مستلهمين دائماً تعاليم ديننا العظيم وشريعته السمحاء ، متمسكين بثوابتنا الوطنية ، سائلين المولى عز وجل الإخلاص في أعمالنا والسداد في مقاصدنا ، وأن يوفق مساعينا لكل ما فيه خير وازدهار بلدنا ، إنه نعم المولى ونعم النصير .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،

 
  اطبع هذه الصفحة