الكلمات
  كلمة سمو الشيخ ناصر المحمد الأحمد الجابر الصباح حفظه الله خلال مأدبة غداء على شرف عمدة لندن بوريس جونسون  
  11 نوفمبر 2013  
     
 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على الرسول الكريم سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
معالي الأخ جاسم محمد عبد المحسن الخرافي،
رئيس مجلس الأمة من عام 1999 إلى عام 2012 ،
سعادة السيد بوريس جونسون والوفد المرافق،
أصحاب السعادة الشيوخ،
أصحاب المعالي الوزراء،
أصحاب السعادة السفراء،
حضرات السادة والسيدات،

يسعدني بشكل خاص أن أرحب في الكويت بالسيد بوريس جونسون، عمدة لندن.
إن حضرة العمدة شخصية مألوفة في المملكة المتحدة وفي السياسة البريطانية. وهو شخصية معروفة أيضاً خارج المملكة المتحدة. ونحن يشرفنا أن يختار زيارتنا في الكويت والتعرف إلى أمتنا الفتية الجميلة والنابضة بالحياة.

كما يعلم العديد منّا، يحمل الحادي عشر من نوفمبر اليوم معنى خاصاً لكل من الكويت والمملكة المتحدة. إنه اليوم الذي يتذكر فيه الشعب البريطاني أولئك الذين استشهدوا في خدمة العرش البريطاني. وقد تمّ تحديد هذا اليوم بعد الحرب العالمية الأولى وسُمِيَ بـ "يوم الهدنة": في عام 1918، في الساعة الحادية عشر، في اليوم الحادي عشر من الشهر الحادي عشر، انتهى أخيراً ذلك الصراع العالمي الرهيب، الذي أدّى إلى خسارة ضخمة في الحياة البشرية.

يعتبر الحادي عشر من نوفمبر اليوم، مناسبة يعتزّ فيها الشعب البريطاني بذكرى أولئك الذين سقطوا، ويشكرونهم على التضحية القصوى التي قدموها لبلادهم بغض النظر عن الصراع. في الساعة الحادية عشر بتوقيت غرينيتش من صباح هذا اليوم، أخذ العديد من الناس عبر المدن والقرى البريطانية وقفة صمت عفوية ومؤثرة تعبيراً عن هذه الذكرى.
حضرة العمدة، يتذكر شعب الكويت بدوره الصراع والتضحيات. لقد تعرضنا للتهديد بالاجتياح مرات عدة، لم تسلم منها حتى لحظة ولادة أمتنا. ثم وقعنا منذ ما يزيد قليلاً عن العشرين عاماً، ضحية لعدوان غير مبَرر. لقد تمّ احتلال أرضنا وانتهاكها وعانى شعبنا الأمَرّين. وفي هذه الأوقات العصيبة، وقف حليفنا البريطاني بجانبنا؛ وعندما حان الوقت لاستعادة حريتنا ونبذ القهر والعدوان هبّت قوات التحالف لمساعدتنا.

لذلك، نحن في الكويت نذكر نداء الواجب وتضحية أولئك الذين أتوا من خارج حدودنا للدفاع عن قضية الحرية.أجل إننا نتذكر، واليوم بالذات من بين باقي الأيام، نشكر أصدقاءنا البريطانيين على تضحيتهم نيابة عنا.

حضرة العمدة، لا بدّ أن أذكر بكل فخر أن الحادي عشر من نوفمبر هو يوم مهم عند الكويتيين كذلك، لأنه كان اليوم الذي خرج فيه الدستور إلى النور منذ 51 سنة، ليضمن لمواطنينا الحق في النمو والازدهار والمشاركة في مستقبلنا. وقد اعتمد المبادئ التي وضعتها وثيقة ماجنا كارتا Magna Carta في انجلترا عام 1215، مقدّماً نموذجاً يهدف إلى إضفاء الشرعية على الإجراءات الحكومية وأنشطتها.

نحن محظوظون لأن يكون أمير البلاد المفدى الشيخ صباح الأحمد أحد الآباء المؤسسين الذين ساهموا في صياغة الدستور والذي كان أيضاً ممثلاً للسياسة الخارجية الكويتية على مدى أكثر من 50 عاماً، مما أكسبه لقب "عميد وزراء الخارجية" في جميع أنحاء العالم.

حضرة العمدة، إننا نرحب بك اليوم انطلاقاً من عدة نواحي: أولاً، كسياسي بريطاني بارز؛ ثانياً، بصفتك ممثلاً لإحدى أعظم عواصم العالم؛ وثالثاً، كاعتراف بأهمية مهمتك، التي تتمثل بتعزيز الروابط التجارية والاقتصادية والثقافية التي تربط بلدينا.
اسمحوا لي أن أتطرق باختصار إلى كل من هذه النقاط على حدى.

أولاً، إننا نحييك يا حضرة العمدة بصفتك شخصية قيادية في السياسة البريطانية. . على الرغم من انتخابك لعضوية البرلمان البريطاني بشكل حديث نسبياً - عام 2001– إلاّ أنك انضممت بسرعة إلى الصفوف الأمامية في حزب المحافظين، ومن ثم إلى المعارضة الرسمية. في عام 2008، اتخذت قرارك التاريخي بالترشح لمنصب عمدة لندن من خلال حزب المحافظين وقد تكللت جهودك بالنجاح. وبعد أربع سنوات، عشية أولمبياد لندن، انتخبك الشعب مجدداً لمنصب عمدة لندن. وهناك العديد من الأشخاص الذين يتوقعون عودتك إلى البرلمان في الوقت المناسب بسبب حبك للوطن.
إن سعادتك من دون شك متحدث لبق سواء عبر خطاباتك أو عبر كتاباتك. إنك سياسي فريد. تهتم قليلاً بالصواب السياسي ولكنك تهتم كثيراً بالشعب ويمكنك تحديد احتياجاته.

ثانياً، أريد أن أذكر بعض الأشياء عن تلك المدينة العظيمة التي تمثلها: لندن في إنكلترا.

لطالما تمتعت الكويت بعلاقات خاصة مع مدينة لندن، قلب العاصمة المالية والتاريخية. قبل بضعة أشهر، على سبيل المثال، احتفلنا بالذكرى السنوية الستين لتأسيس مكتب الاستثمار الكويتي. يدير مكتب الاستثمار الكويتي الآن مليارات الدولارات على مستوى العالم ويتم حوالي 20٪ من ذلك مع المملكة المتحدة في مختلف أنواع الأصول والأنشطة التجارية. وهذه العلاقة هي علاقة ذات اتجاهين حيث أن العديد من الشركات البريطانية تلعب دوراً متزايداً في تطوير الكويت.

إن "سكوير مايل " هو في الواقع جزء أساسي مما يمكن أن تقدمه لندن. لكن لندن هي أكثر من مجرد قطاعها المالي، على الرغم من حجمه الكبير على الصعيد العالمي. وهي أكثر، حتى، من تراثها ومواقعها التاريخية، ومبانيها ومنتزهاتها الجميلة والعديدة، ومطاعمها ومسارحها ذات المستوى العالمي.

إن وضع لندن كأكبر مدينة دولية في العالم يكمن في تنوعها المذهل وانفتاحها على العالم. وهذا بالتأكيد هو مصدر طاقتها وحيويتها، ومصدر الإبداع البشري والابتكار الذي يعطي العاصمة حيويتها. لهذا السبب تربط الكويتيين علاقة قوية بوطنهم العالمي هذا.

لكن الوضع لم يكن دائماً على هذه الحال. فمنذ ثلاثين عاماً، فقدت لندن ربع سكانها وبدا أن وضعها سيتدهور. لكن ألعاب 2012 الأولمبية وألمبياد المعاقين برهنت للعالم أن التغيير المدهش أمر ممكن.

حضرة العمدة، أنت لم تكن متنافساً في ألعاب لندن. للأسف، لم يكن هناك فئة عن ركوب الدراجات الحر التي أعرف أنها هوايتك، لكنك كنت في حينها ولا تزال اليوم وجه لندن. وشأنك شأن المدينة التي تمثلها، أنت واثق، نشيط، ومنفتح على العالم وعلى طاقة التغير الخلاّقة. إن تألق لندن هام، بالطبع، بشكل كبير، من أجل نمو وازدهار المجتمع.
أصل أخيراً إلى النقطة الثالثة والأخيرة، وهي التحدث باختصار عن مهمتك في الكويت يا حضرة العمدة.

لقد ذكرت آنفاً عمل مكتب الاستثمار الكويتي من خلال مكتبه في لندن، والعلاقات القوية التي تربطه بقطاع الخدمات المالية البريطاني. لكن علاقاتنا الاقتصادية والتجارية تعود بالطبع إلى عام 1792 ، عند تأسيس أول مركز تجاري بريطاني في الكويت.

واليوم، تمثل الكويت ثالث أكبر شريك للمملكة المتحدة بين دول مجلس التعاون الخليجي. ويمثل الخليج ككل سابع أكبر سوق للتصدير بالنسبة إلى المملكة المتحدة. في عام 2011، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، دايفيد كاميرون عن هدفه في مضاعفة التبادل التجاري الثنائي بحلول العام 2015. وقد تمّ إحراز تقدم كبير بالفعل باتجاه هذا الهدف.

أما بالنسبة إلى الكويت، فقد استمر اقتصادنا بالتقدم. وقد أدّى النمو المستدام إلى توليد فوائض كبيرة في الميزانية ومستوى عال من الرفاهية، حيث سجلت الكويت أحد أعلى معدلات الناتج المحلي الإجمالي للفرد في العالم.

ولكن لا يزال هناك الكثير للقيام به. إذ تحتاج الكويت إلى تجديد وتنويع اقتصادها. لهذا السبب، باشرنا العمل على خطة تنمية وطنية طموحة. وهي تهدف إلى جعل الكويت مركزاً لوجستياً، مالياً وتجارياً، يرافقه تطوير كبير في البنية التحتية وزيادة طاقة الانتاج.

بالتعاون مع البرلمان الكويتي، تقوم الحكومة بوضع إطار جديد من القوانين التي تهدف إلى خلق بيئة مواتية. وعن طريق تشجيع ريادة الأعمال والمشاريع الخاصة، نحن نهدف إلى تنويع الاقتصاد، وزيادة حجم القطاع الخاص وتعزيز فرص الاستثمار الأجنبي.

إننا نتطلع في كل هذا، إلى شراكة متنامية مع المملكة المتحدة . وقد سبق أن فازت شركات بريطانية بالفعل بعقود كبيرة لمشاريع في قطاع النفط والغاز والبناء في الكويت، كما أن هناك ما يقرب من 6000 مواطن بريطاني يعملون حالياً في البلاد. لكن العمل لا يقتصر فقط على تطوير البنية التحتية وزيادة نسبة الأعمال التجارية والاستثمارات، بل نحن ندرك كذلك أن المملكة المتحدة لديها الكثير لتقدمه لنا عن طريق مساعدتنا في توسيع قاعدة مهاراتنا، لاسيما في مجال التعليم ولصحة.
يمكننا يا حضرة العمدة، عن طريق كل ما سبق ذكره، أن نبني شراكة أعمق وأكثر إنتاجية بين بلدينا. قد تكون زيارتك قصيرة هذه المرة، ولكن هناك الكثير لنفعله، ونحن نريد أن نعمل معكم.

حضرة العمدة، أنا أعلم أن هناك نوع من التقليد في بلدكم يقضي بإعطاء الأعيان من الزوار مفتاح المدينة... قد أخذنا ذلك بعين الاعتبار، وأنا متأكد من أنك تعرف أن الكويت معروفة تاريخياً بأنها مدينة ذات عدة بوابات، لكننا عندما أضفنا عدد البوابات التي لدينا... ثم عدد المفاتيح التي سنحتاج اليها لفتحها جميعاً، وجدنا أن الأمر لن يسير كما نريد... إذ ستكون المفاتيح ثقيلة جداً وضخمة...

ولكن كن على ثقة تامة أن أبواب وبوابات الكويت مفتوحة دائماً أمامك... وأننا نرحب بك في الكويت.

حضرة العمدة، نشكرك على مشاركة أفكارك معنا حول كيفية العمل معاً من أجل جعل عالمنا أفضل لشعوبنا، ونحن نتطلع إلى بقية زيارتك.

 
  اطبع هذه الصفحة