الكلمات
  كلمة سمو الشيخ / ناصر المحمد الأحمد الجابر الصباح في مأدبة الغداء التي أقامها على شرف غبطة البطريرك / يوحنا العاشر يازجي  
  14 يناير 2015  
     
 

بسم الله الرحمن الرحيم


والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
غبطة البطريارك يوحنا العاشر يازجي البطريارك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأُرثوذكس،
معالي الأخ الكريم، جاسم محمد عبد المحسن الخرافي
رئيس مجلس الأمة من عام 1999 حتى عام 2012،

الأخوات والأخوة الكرام،
أحييكم بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

قال الله تعالى في كتابه الكريم ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ /  يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ، وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ،  وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ، وَاللهُ عَلِيــــــــمٌ بِالْـمُتَّقِينَ

كما قال سبحانه وتعالى /في مُحْكَمِ الكتاب ﴿وَلَـتَــجِــــدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ

أرحب بكم يا غبطة البطريارك ضيفاً على دولة الكويت، ويسعدني أن أستقبلكم في هذا الديوان، الذي تَشَرَّف باستقبال رجالِ دينٍ وحُكْمٍ وفِكْرٍ وعِلْمٍ وسياسة على مدار السنوات الماضية، وأجدُ نفسي وأنا أرحب بكم أغوص في تاريخ المشرق السحيق، يوم كانت أنطاكية ثالثة الحواضر في الامبراطورية الرومانية، وعاصمة الفكر والثقافة في آسيا،/ وقِـــبْـــلَــــةَ الصالحين، فهي التي زارها بولس الرسول ومكث فيها يَـــعِـــــظ ويُبَشِّــــر بالدين، وهي التي جاء إليها بطرس الرسول ليؤسس الكرسي الرسولي عام 37 ميلادي، وهي أول من وصف أتباع المسيح عليه السلام بالمسيحيين، وهي التي لقَّبها البيزنـــطـــيـــــــون بمدينة الله العظمى، وكان العربُ إذا أعجبهم شيئاً نَسَبوه إليها. ورغم أن مقرَّ البطْرياركية الحالي في دمشق، إلاَّ أن جذورها الأنطاكية تشهد لها بالريادة والأسبقية، فإجلالاً لهذا التاريخ المهيب، ولمكانتكم وموقعكم أرحب بكم أجمل ترحيب.

صاحب الغبطة
لا أجدُ زمناً نحتاج فيه إلى أمثالكم، أنسب من زمننا هذا الذي نعيشه هذه الأيام، ذلك الزمن الذي ترتقي فيه الإنسانية ذُرَى المعرفة، لكنها في نفس الوقت تنحدر فيه إلى وحشية العدوان وهمجية الإقتتال. إنه زمنٌ يحتاج إلى عقلاء ينحازون للإنسان ضد العنصرية، وحكماء يُحابون الحياة ضدّ الهلاك، ويفتحون أفق الحوار إلى آفاقه الواسعة، ويحطمون جدران الإنزواء والانغلاق والتعصب القاتل. إننا، في عالمنا، نحتاج إلى أهل الإعتدال من رجالٍ وعلماءِ الدين؛ فالعنفُ والفتكُ والقسوةُ، كلها تحوطنا من كل جانب، مُـــغَــلَّـــــفَـــةً بتفسيراتٍ خاطئةٍ للدين، ويظهر لنا أُناس بلباسِ الدين وأخلاق المجرمين وحالُهم مثلما تقول الحكمةُ اللاتينية "في وجهه حَمَلٌ وفي قلبِهِ ذئب"

كما تُساق إلينا أخبار القتل والتشريد والإهلاك بلا انقطاع، مُبَرَّرَةً بدوافعَ منحرفةٍ عن الدين، وكأنها لا تُصغي إلى قول الباري عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم، ﴿إدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، وكأنها تَصُمُّ آذانَها عن قوله سبحانه وتعالى، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وكأنها غافلةٌ عن قولِ الكتابِ المقدس، "لا تُـــجــــــازوا أحدًا عن شرٍّ بشرّ"، أو كأنها لا تعي دعوتَهُ السلــــــمـــــــــيـــة "سَالِمُوا النَّاس جميعاً، وفق طاقتكم، إن أمكن"، أو تـــــتــــغاضى عن قولِهِ "لا يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ، بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالخَيْرِ".

صاحب الغبطة
إن روحَ التسامح التي نطالبُ بها ليس من أجلِ الآخرةِ فحسب، بل كذلك من أجلِ الحياةِ الدنيا، فهي ضرورةٌ حتميةٌ للسلمِ الإجتماعيِ في الأوطان، ضروريةٌ للمسلمِ الفرنسي الذي يعيشُ بين أغلبيةٍ كاثوليكية، وضروريةٌ للمسلمِ الألماني الذي يعيشُ بين أغلبيةٍ بروتستانية، وضروريةٌ للمسلمِ الإنجليزي الذي يعيشُ بين أغلبيةٍ أنجليكانية، وضروريةٌ للمسلمِ الروسي الذي يعيشُ بين أغلبيةٍ أُرذوثكسية، غير أنها ضروريةٌ أكثر للمسيحيِ العربيِ وهو يعيشُ في وطنِهِ بين أغلبيةٍ مسلمةٍ، ووطنُهُ هو نفسُهُ وطنُ موسى ووطنُ عيسى ووطنُ محمد، عليهم جميعاً أفضلُ الصلاةِ والسلام. إن روحَ التسامح هي التي جعلت سكنَ محمدٍ عليه الصلاة والسلام بيتاً للدياناتِ السماويةِ الثلاث، بيتُ صفية بنت ناخوم، ومارية بنت شمعون، وعائشة بنت إبي بكر؛ وهي الروحُ التي جعلت منهن أمهاتُ المؤمنين بلا أدنى تفرقة، وهي الروحُ التي تُلْزِمُنا أَلاَّ نجادلَ أهلَ الدياناتِ السماوية إلا بالتي هي أحسن، فاللهُ سبحانه وتعالى يقول في مُحكَمِ آياتِهِ ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وهي الروحُ التي تَصِفُ كُتُبَ الدياناتِ السماويةِ المقدسة بالهدى والنور، فاللهُ عزَّ وجلَّ يقول في كتابِهِ الكريم ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِـــــيــــهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. إنها نفسُ الروح التي تَجَلَت لدى صحابيين أرادا أن يُصلّيا في بيتِ إمرأةٍ مسيحية، فقال لها أحدُهما: هل في بيتِك مكانٌ طاهرٌ فنصلي فيه؟ فقالت: طَهِّرا قلبَيْكما، ثم صَلّيا أينما أحببتما، فقال الصحابيُ لصاحبِه: خُذْها من غير فقيه.

وأخيراً، إنها نفسُ الروحِ التي تَجَلَت في موعِظَتِكُم يا غبطة البطريارك في حفلِ تنصيبِكُم، يومَ قلتُم "نحنُ الأنطاكِيِّينَ، كنيسةٌ مَشْرِقِيَّةٌ جُذُورُها ضارِبَةٌ بِعُمقٍ في مِنطَقَتِنا وَمَشْرِقِنا العَرَبِيّ، ونحنُ، معَ إخوتِنا المسْلِمِينَ، أبناءُ هذه الأرض، فيها أرادَنا الرَّبُّ لِنَشْهَدَ لاِسْمِهِ القُدُّوس، وَفِيها علينا أن نبقى، مُشَجِّعِينَ العَيشَ المشتَرَكَ الكريم، ونابِذِينَ كُلَّ ضَغِينَةٍ وَخَوفٍ وَتَعالٍ. أيها الأعزّاءُ المسْلِمونَ، نحنُ وإيّاكُمْ لَسنا فقط شُركاءَ في الأرِضِ وفي المصيرِ، نحنُ بَنيْنا معاً حضارةَ هذهِ البلادِ، ومُشترِكُونَ في الثّقافةِ والتّاريخِ، لذلكَ يجبُ عَلَينا أن نحفظَ معاً هذه التّركةَ الغاليةَ، كما أَنّنا شُركاءُ أَيضاً في عبادةِ اللهِ الواحدِ الأَحَدِ، الإلهِ الحقيقيِّ، نورِ السمواتِ والأرضِ".

وفي الختام يسرني أن أتقدم بخالص التهنئة بمناسبة تنصيب سيادة المتروبوليت غطاس هزيم مطراناً على بغداد والكويت وتوابعهما للروم الأرثوذكس.

كما نُكَرِّر يا صاحب الغبطة، تحيتينا وترحيبنا بكُم وبكنيستِكُم العريقة، وأتباعها المؤمنين في كل مكان.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
  اطبع هذه الصفحة