الكلمات
  كلمة سمو الشيخ ناصر المحمد الأحمد الجابر الصباح بمناسبة اليوم العالمي للفرانكوفونية  
  18 مارس 2018  
     
 

سعادة سفير جمهورية السنغال عميد السلك الدبلوماسي،

سعادة سفير الجمهورية الفرنسية،

أصحاب السعادة سفراء كندا وبلجيكا وسويسرا ورومانيا وبوركينا فاسو والنيجر وبنين ومصر ولبنان،

أصحاب السعادة أعضاء السلك الدبلوماسي

سعادة ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر

أصدقاؤنا الناطقين باللغة الفرنسية

السيدات والسادة،

 

يسعدني ان ألتقي بكم في هذه المناسبة السنوية للاحتفال باليوم العالمي للفرانكوفونية. لقد أصبح هذا الموعد لقاء مرتقباً أحرص على حضوره منذ سبع سنوات، ومناسبة ثقافية راقية نعبّر من خلالها جميعاً عن إعجابنا باللغة الفرنسية، وبالأدوار التي تقوم بها في إثراء الحضارة المعاصرة. إنني أتوجه بالتهنئة لأصحاب السعادة سفراء فرنسا والسنغال وكندا وبلجيكا وسويسرا ورومانيا وبوركينا فاسو والنيجر وبنين ومصر ولبنان على نجاحهم الفائق في إقامة الإحتفال بهذه المناسبة، طوال السنوات الماضية، وإقامة فعاليات ثقافية مستمرة، مثل هذه الأمسية الجميلة التي تضم حضورا راقياً.

 

السيدات والسادة،

إن احتفالنا بإحدى اللغات العالمية هو تأكيد على أهمية اللغة في حياة الإنسان؛ فهي ليست مجرد أداة يعبر فيها الناس عن أغراضهم فيما بينهم، بل أصبحت جامعاً حضارياً يؤلف بين الناطقين بها، ويهبهم شعوراً بالإنتماء إلى ثقافة ينتسبون إليها. كما أن الحفاظ على اللغات العالمية هو حفاظ على الثقافات المتنوعة، ولعل هذا ما يجعلنا نؤكد في كل مرة على أهمية التنوع الثقافي في مجتمع العولمة. إذ إن سيطرة لغة واحدة في المجتمع الدولي ستؤدي إلى إضعاف اللغات الأخرى، وحرمان الإنسانية من تراثها اللغوي الغني، وثقافاتها المتنوعة. إن  تأكيدنا الدائم على ضرورة إعطاء اللغات العالمية أهميتها، نابع من الحرص على تواصل الأجيال المتعاقبة مع التراث الإنساني القديم، ونابع من الخوف من أن نكرر أخطاء الماضي، عندما اندثرت لغات الحضارات القديمة وتوارت أمام هيمنة إحدى اللغات، وبفقدانها ضاع التاريخ القديم للإنسانية وثقافاتها. ولولا جهود الآثاريين الجبارة في استنطاق الأحرف المسمارية والهيروغلوفية وفك رموزها وأسرارها، لما تمكّنا في معرفة تاريخ الشرق القديم. فاللغة ليست مجرد سجل لذاكرة الأمة أو وعاء حاضن لأفكارها ومفاهيمها وقيمها، بل هي قوة، كما عبّر عنها ابن خلدون منذ مئات السنين، قائلاً، "إن قوة اللغة في أمة ما، تعني استمرارية هذه الأمة بأخذ دورها بين بقية الأمم".

السيدات والسادة،

رغم أن هناك لغات عالمية تتصدر القائمة وتسبق اللغة الفرنسية في مجال عدد الناطقين بها، إلا أن العالم المعاصر لا يملك إلا أن يعبّر عن إعجابه بقدرة اللغة الفرنسية المتميزة في صناعة الفكر والفلسفة والقانون والأدب والفن؛ وهي قدرة تعكسها الأعمال العظيمة والأسماء البارزة في كل هذه المجالات، منذ بداية عصر النهضة حتى اليوم. ولم تتوقف تلك اللغة عند حدود فرنسا، بل استطاعت أن تجتاز المسافات وتعبر المحيطات لتصبح أداة تعبير عن وجدان وثقافات شعوب أخرى في أميركا وأفريقيا وآسيا، وتجعل مفرداتها وأساليبها الكتابية مادة لتسجيل العواطف والأفكار والخواطر والمعارف بشكل ساحر، من حيث الشكل والمضمون، بحيث تبهر مستمعيها بجاذبيتها ومتانتها ورومانسيتها. كما أن اللغة الفرنسية لم تتفوق على حدود الجغرافيا فحسب، بل نجحت في تجاوز التاريخ واختراق الزمن، وتمكنت بثرائها اللغوي أن تنقل الثقافات القديمة، وتعيد إحياء آداب المصريين القدماء والسومريين والأكاديين والبابليين والآشوريين. ولعلّ العالم يدين بالفضل في ذلك لعالم الآثار الفرنسي جان فرانسوا شمبوليون Jean-François Champollion، الذي وضع اللبنة الأولى لدراسة اللغة المصرية القديمة، "الهيروغليفية"، من خلال اكتشافه لرموز حجر رشيد عام 1828، أثناء الحملة الفرنسية على مصر. كما أنه يدين بالفضل لعالم الآثار السويسري إدوارد نافيل Édouard Naville، الذي أعاد الحياة للنصوص الدينية التي كان يتلوها ويرددها المصريين القدماء، وكذلك للعالم الفرنسي جان فنسنت شيل Jean-Vincent Scheil الذي كشف لنا عن شريعة حمورابي في العراق القديم، بعد اكتشافه المسلة التي كتبت عليها أقدم القوانين والتشريعات في تاريخ الحضارة الإنسانية.

 

السيدات والسادة،

بمناسبة الحديث عن إسهامات اللغة الفرنسية في إعادة إحياء ثقافات العالم القديم، فإنه ليسرنا نحن في الكويت أن نحتضن المركز الفرنسي لعلم الآثار والعلوم الاجتماعية، ليمارس نشاطه في سبر أغوار أرض الجزيرة العربية، من أجل اكتشاف حضاراتها القديمة. إذ نحن نعتقد أننا في الكويت يمكننا تقديم أفضل بيئة ثقافية لمثل ذلك النشاط العلمي. فبيئتنا الثقافية تتمتع بقدر واسع من الحرية والتنوع والتشجيع. نحن شعب عاش على الشواطئ، وطاف المرافئ، واندمج بثقافات شعوب المحيط الهندي، واكتسب حباً للانفتاح على الآخرين وعلى لغاتهم وثقافاتهم وأفكارهم، واعتاد على الأخذ والعطاء، وتبادل الأفكار والآراء والرؤى الجديدة. ولعل هذا سبباً في أزدياد عدد الكويتيين المتحدثين بلغات العالم المختلفة، ومنها اللغة الفرنسية.

السيدات والسادة،

في ختام هذه الكلمة، أود أن أكرر شكري لمنظمي هذا الإحتفال، سفراء فرنسا والسنغال وكندا وبلجيكا وسويسرا ورومانيا وبوركينا فاسو والنيجر وبنين ومصر ولبنان، وكل رعاياهم في دولة الكويت، وأخص بالشكر السفير الفرنسي الذي أشرف على تنظيم هذه الأمسية الجميلة. إنني أتمنى أن نرى مزيداً من التعاون الثقافي بين الكويت والدول الفرانكوفونية، خلال السنوات القادمة، وأن نرى مزيداً من الخليجيين الناطقين باللغة الفرنسية. كما وأود أن أؤكد على متانة علاقاتنا الدبلوماسية معكم، فنحن لا ننسى موقف دولكم المشرف أثناء محنة احتلال بلدي الحبيب، ولا ننسى مساهماتكم القيمة في مساعدتنا على تحرير وطننا الكويت.

 كل عام وأنتم بخير.

 

 
  اطبع هذه الصفحة