الكلمات
  كلمة سمو الشيخ / ناصر المحمد الأحمد الجابر الصباح في مأدبة الغداء التي أقامها على شرف صاحب القداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة  
  26 ابريل 2017  
     
 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

صاحب القداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118،

الحضور الكريم،

أحييكم بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 

يسرنا أن نرحب بكم يا صاحب القداسة ضيفاًعزيزاًعلى دولة الكويت وشعبها، ويسعدنا اليومأن نحتفي بقداسة البابا تواضروس الثاني،وهو ليس مجرد احتفاء بصاحب السلطة الروحية التي ترعى ملايين الأقباط في مصر والسودان وليبيا والحبشة، وتمتد إلى معظم بلاد العالم حيث يتواجد أخواننا الأقباط المسيحيون، بل هو كذلك أحتفاء بخليفة القديس مرقس، الذي كان أحد الرسل السبعين الذين اختارهم نبي المسيحية وأطلقهم لنقل البشارة، وهو احتفاء بكنيسة يمتد عمرها إلى تسعة عشر قرناً من الزمان، تلك الكنيسة التي لعب بطاركتها وباباواتها دوراً قيادياً في اللاهوت المسيحي، وتخرج من مدرستها أساقفة بارزون في التاريخ المسيحي، من أمثال:أثيناغورس، كليمنت، ديديموس، وأوريجانوس.كما  أستفاد من  علمها كبار آباء الكنيسة اللاحقين، من أمثالالقديس أوغسطينوالقديس جيروم.

فأهلا وسهلا بك يا صاحب القداسة من أرض الكنانة إلى أرض الكويت.والاحتفاء بك هو حق تفرضه أواصر العروبة التي تربطنا بمصر، وتَحُضُّ عليه أواصر النسب بينكم وبين نبينا محمد صلي الله عليه وسلم، منذ صارت مارية القبطية زوجته وأما لابنه.

 

صاحب القداسة،

أيها الحفل الكريم،

في هذا العصر الذي صار فيه كوكب الأرض صغيراً، وأصبحت الحروب خَبَراً يومياً تَبُثّه وكالات الأنباء،وأصبح العنف ظاهرة تمزق المجتمعات،وصار الأبرياء عرضة لجرائم الإرهاب،وأصبحت الأرض تَئِن من التلوث،واتسع الفقر ليغمر كثيراً من المجتمعات بكوارث المجاعات والأوبئة،وصارت حصيلة سباق التسلح كفيلة بإبادة الجنس البشري،في ظل هذه الأجواء المخيفة، يُصْبِحُ دور رجال الدين من أمثالكم ضرورة لازمة لإعادة التوازن لعصرنا. فهذه الاختلالات في حياتنا المعاصرة، إنما هي نتيجة الفقر في الجانب الروحي لدى الإنسان. وهو فقر يقود إلى الأنانية والجشع وضعف الضمير؛وهو فقر لا يواجَهُ بالغذاء والمال، إنما يواجه بإيقاظ الضمائر وإبقائها نابضة، ويُواجَهُ بتكريس الرابطة الإنسانية بين البشر، ونشر السلام والمحبة. وهذه المعاني موجودة في قلب كل دين، وتَحُضُّ عليها كل الكتب الدينية. فالعهد القديم من الكتاب المقَدَّس يقول: "وَيَكُونُ صُنْعُ الْعَدْلِ سَلاَماً،وَعَمَلُ الْعَدْلِ سُكُوناًوَ طُمَأْنِينَةً إِلَى الأَبَدِ".

أما العهد الجديد من الكتاب المقدّس فيقول:"الْمَجْدُللهِ فِي الأَعَالِي،وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ". كما يقول: "اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْيَ ثْبُتُ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتُ فِي اللهِ، وَاللهُ فِيهِ".ويقول الرسول بولس: "إِنْكَ انَ مُمْكِنًا، فَحَسَب طَاقَتِكُمْ، سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ".وكذلك يقول بوذا مؤسس البوذية:"السلام يأتي من الداخل،لاتبحث عنه في الخارج".أما في القرآن الكريم، فيقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوإِلَى دَارِالسَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لَاتَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَاتُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ". هذه هي رسالة الأديان كلها، السلام والمحبة والتسامح. ولا يستطيع أحد الحفاظ على سياقها من الانحراف سوى رجال الدين، فهم الذين يخترقون قلوب الناس لتوجيه تلك المعاني بالشكل الصحيح، ولهذا فنحن بحاجة لأمثالكم يا قداسة البابا لمواجهة الاختلالات في حياتنا المعاصرة ومعالجتها، وإعادة الاعتبار للجانب الروحي لدى الإنسان.

 

قداسة البابا،

أيها الحفل الكريم،

رغم المخاطر التي تحيط بكوكبنا، إلا أننا نعيش في عصر غير مسبوق.لقد حولتنا وسائل الاتصال إلى سكان قرية واحدة، وجعلت المعارف المختلفة في متناول اليد، وأصبح الناس بمختلف دياناتهم ومذاهبهم وطوائفهم وجنسياتهم يتخاطبون ويتحاورون على مدار الساعة، وأصبح لزاماً علينا أن نقبل بالاختلاف، ونؤمن بالتعايش، تعايش بين الأديان والثقافات المختلفة، وأن نبني أرضية من التعاون على أسس من الثقة والاحترام، ومكافحة الفوارق الاجتماعية، وصيانة كرامة وحقوق الأطراف، وأن نتعاون ونعمل معاً في المجالات المشتركة بيننا، ولعل أبرزها منظومة القيم الإنسانية، كضمان حقوق الإنسان وسلامته، وقيم التسامح والمحبة، ومساعدة الفقراء ونجدة المعوزين وإسعاف المنكوبين.وهنا لا يَسَعُني يا قداسة البابا إلا أن أتوجه لكم بالشكر الجزيل على جهودكم المستمرة في السعي لتكريس هذه المعاني، ليس على مستوى جمهورية مصر الشقيقة، ولا على مستوى أتباع الكنيسة القبطية فقط، إنما في محيطنا العربي والدولي. ولقد تابعنا حكمتكم وحلمكم وتماسككم في مواجهة الإرهاب الغاشم الذي نال من كنائسكم، وأننا إذ نشارككم الأسى ونعزيكم في مصابكم الأليم، فإننا على ثقة بأن قيادة دينية من أمثال قداستكم قادرة على اجتياز الصعاب، من أجل أداء دورها الديني والروحي بين المؤمنين. وإننا نسأل الله العلي القدير أن يجعل هذا المصاب آخر الأحزان، وأن يحفظ جمهورية مصر الشقيقة من كل مكروه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 
  اطبع هذه الصفحة